عثمان بن جني ( ابن جني )

512

الخصائص

يشفعون لهم فينتفعوا بذلك . يدل عليهم قول عز اسمه : " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " وإذا كان كذلك فلا شفاعة إلا للمرتضى . فعلمت بذلك أن لو ( شفع لهم لا ينتفعون ) بذلك . ومنه قولهم : هذا أمر لا ينادى وليده ، أي لا وليد فيه فينادى . فإن قيل : فإذا كان لا منار به ولا وليد فيه ( ولا أرنب هناك ) فما وجه إضافة هذه الأشياء إلى ما لا ملابسة بينها وبينه ؟ قيل : لا ؛ بل هناك ملابسة لأجلها ما صحّت الإضافة . وذلك أن العرف أن يكون في الأرض الواسعة منار يهتدى به ، وأرنب تحلّها . فإذا شاهد الإنسان هذا البساط " 1 " من الأرض خاليا من المنار والأرنب ، ضرب بفكره إلى ما فقده منهما ، فصار ذلك القدر من الفكر وصلة بين الشيئين ، وجامعا لمعتاد الأمرين . وكذلك إذا عظم الأمر واشتدّ الخطب علم أنه لا يقوم له ، ولا يحضر فيه إلا الأجلاد وذوو البسالة ، دون الولدان وذوى الضراعة . فصار العلم يفقد هذا الضرب من الناس وصلة فيه بينهما ، وعذرا في تصاقبهما وتدانى حاليهما . ومن ذلك أن يقال : من أين تجمع قول الأعشى : ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبتّ كما بات السليم مسهّدا " 2 " مع قول الآخر - فيما رويناه عن ابن الأعرابىّ - : وطعنة مستبسل ثائر * تردّ الكتيبة نصف النّهار " 3 " ومع قول العجاج : * ولم يضع جاركم لحم الوضم " 4 " * ومع قوله أيضا :

--> ( 1 ) البساط - بفتح الباء وكسرها - : الأرض الواسعة . ( 2 ) السليم : اللديغ . ( 3 ) البيت من المتقارب ، وهو بلا نسبة في جمهرة اللغة ص 752 ، والمحتسب 2 / 122 . ( 4 ) الرجز للعجاج في ديوانه 1 / 427 ، ولسان العرب ( لحم ) .